ابن كثير

229

معجزات النبي ص

تذكر ، وأكثر من أن تحصر ، وقد قدمنا قبل مولده عليه السلام طرفا صالحا من ذلك ، وقررنا في كتاب التفسير عند الآيات المقتضية لذلك آثارا كثيرة ، ونحن نورد هاهنا شيئا مما وجد في كتبهم التي يعترفون بصحتها ، ويتدينون بتلاوتها ، مما جمعه العلماء قديما وحديثا ممن آمن منهم ، واطلع على ذلك من كتبهم التي بأيديهم ، ففي السفر الأول من التوراة التي بأيديهم في قصة إبراهيم الخليل عليه السلام ما مضمونه وتعريبه : إن اللّه أوحى إلى إبراهيم عليه السلام ، بعد ما سلمه من نار النمروذ : أن قم فاسلك الأرض مشارقها ومغاربها لولدك ، فلما قص ذلك على سارة طمعت أن يكون ذلك لولدها منه ، وحرصت على إبعاد هاجر وولدها ، حتى ذهب بهما الخليل إلى برية الحجاز وجبال فاران ، وظن إبراهيم عليه السلام أن هذه البشارة تكون لولده إسحاق ، حتى أوحى اللّه إليه ما مضمونه : أما ولدك إسحاق فإنه يرزق ذرية عظيمة ، وأما ولدك إسماعيل فإني باركته وعظمته ، وكثرت ذريته ، وجعلت من ذريته ماذ ماذ ، يعنى محمدا صلى اللّه عليه وسلّم ، وجعلت في ذريته اثنا عشر إماما ، وتكون له أمة عظيمة ، وكذلك بشرت هاجر حين وضعها الخليل عند البيت فعطشت وحزنت على ولدها ، وجاء الملك فأنبع زمزم ، وأمرها بالاحتفاظ بهذا الولد ، فإنه سيولد له منه عظيم ، له ذرية عدد نجوم السماء ، ومعلوم أنه لم يولد من ذرية إسماعيل ، بل من ذرية آدم ، أعظم قدرا ولا أوسع جاها ، ولا أعلى منزلة ، ولا أجل منصبا ، من محمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وهو الّذي استولت دولة أمته على المشارق والمغارب ، وحكموا على سائر الأمم ، وهكذا في قصة إسماعيل من السفر الأول : أن ولد إسماعيل تكون يده على كل الأمم ، وكل الأمم تحت يده وبجميع مساكن إخوته يسكن ، وهذا لم يكن لأحد يصدق على الطائفة إلا لمحمد صلى اللّه عليه وسلّم ، وأيضا في السفر الرابع في قصة موسى ، أن اللّه أوحى إلى موسى عليه السلام : أن قل لبنى إسرائيل : سأقيم لهم نبيا من أقاربهم مثلك يا موسى ، وأجعل وحيى بفيه وإياه تسمعون ، وفي السفر الخامس - وهو سفر الميعاد - أن موسى عليه السلام خطب بني إسرائيل في